اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

360

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

الثاني عشر ، وهم لم يقفوا عند حد عرض القوانين التي تتحكم في نظامنا الشمسي فحسب بل اهتموا على السواء بجميع الظواهر التي تحدث على الكرة الأرضية فلعبوا في وقت واحد دور الفلكيين والجغرافيين والجيولوجيين وعلماء المعادن والنبات والحيوان والاثنوغرافيا وبهذا يعتبرون إلى حد ما مكملين للحاحظ والمسعودي والبيروني ولكن مع الافتقار إلى الأصالة في البحث وعمق التحليل . وهم في كثير من الأحيان قوم متصوفون ولكن بطريقة بدائية ، يرون في كل شئ « معجزات الخالق » وكثيرا ما اتخذت رسائلهم طابع الموعظة والتهذيب . وهم على عكس أولئك - - لم يهدفوا الإبداع والأصالة بل اكتفوا بالنقل والجمع ولكنهم كانوا في العادة أمناء في نقلهم وبلغوا درجة رفيعة في التصنيف التركييى ؛ ومؤلفاتهم وإن افتقرت إلى عنصر الذاتية إلا أنها كانت تتطلع في معظم الأحايين إلى الوضوح في الأسلوب والتزام منطق في العرض له سمانه المميزة . والميزة الكبرى للقزوينى هي في بلوغه بهذا النمط أقصى درجة من الإبداع الفنى ؛ وسينضم إلى هذا الاتجاه في العصور التالية الدمشقي وابن الوردي 35 . والقزويني بالطبع ناقل مثالي ويقدم لنا نموذجا حيا لأدب عصر التدهور ؛ وهو بالرغم من اطلاعه الواسع ومعلوماته الغزيرة إلا أنه لا يأتي بجديد أو يصوغ نظرية أصيلة . وقد عاونته ثقافته على أن يفقه كل شئ وفقا لطريقته الخاصة مما أدى به في آخر الأمر إلى وضع مصنف تركيبي يجمع كل معارف عصره . والقزويني ككاتب يتميز بالوضوح في الأسلوب الذي يبلغ به في واقع الأمر درجة رفيعة ، وهو بلا ريب نابغة كمبسط للمعارف يعرض مادته العلمية في كثير من المهارة بحيث لا تنفر القارئ العام . ولديه مقدرة فائقة في تبسيط أكثر الظواهر تعقيدا وذلك بطريقة جذابة واضحة كما وأن أسلوبه يجمع بوجه عام بين البساطة والتنوع ولو أنه يقدم في كثير من الأحايين صورة متداخلة الألوان ( mosaic ) من روايات المؤلفين السابقين عليه 36 . ويرى أحد العلماء المعاصرين أن كوزموغرافيا القزويني هي أهم أثر أنتجه كاتب عربى في العصور الوسطى ؛ وكثيرا ما قارنه العلماء يهيرودوت Herodotus وبلينى Plinius ولعل هذه المقارنة لا تخلو من بعض الوجاهة على الرغم من أنه يجب الاعتراف بأن القزويني لا يفضل هذين المؤلفين الكلاسيكيين سواء من ناحية الروح النقدية أو المنهج 37 . والقزويني هو زكريا بن محمد ، ويجب عدم الخلط بينه وبين سميه حمد اللّه قزوينى المؤرخ والجغرافي الفارسي الشهير الذي سيرد الكلام عنه في حينه . وقد ولد القزويني في عام 600 ه - 1203 ، ورغما من النسبة التي يحملها فهو ينحدر من أسرة عربية أصيلة استقر بها المطاف في العراق العجمي منذ عهد طويل . ومن الملاحظ أن لغته العربية يكثر بها الغريب ولا ترتفع إلى مصاف اللغة الكلاسيكية مما يمكن أن يستدل منه على أنها لم تكن لغة طفولته 38 . أما عن حياته وأساتذته فلا نعرف سوى النزر اليسير ، من ذلك أنه كان بدمشق حوالي عام 630 ه - 1233 وهناك وقع تحت تأثير الصوفي الشهير ابن العربي ( توفى عام 638 ه - 1240 ) 39 كما ربطته علاقة بالكاتب والأديب الكبير ضياء الدين بن الأثير